رضياء سعد تكتب.. البنوك تتسابق لاستخدام الذكاء الاصطناعي… والبنوك المركزية تتسابق لفهم مخاطره

رضياء سعد خبيرة فى
رضياء سعد خبيرة فى العمليات المصرفية

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مستقبلية تتطلع إليها المؤسسات المالية باعتبارها أحد أدوات التطوير، بل أصبح اليوم جزءًا متزايد الأهمية من قلب العمل المصرفي نفسه. فالبنوك لم تعد تستخدمه فقط لتحسين خدمة العملاء أو أتمتة بعض العمليات، وإنما بدأت تعتمد عليه في تحليل البيانات، واكتشاف الاحتيال، وإدارة المخاطر، وتقييم الجدارة الائتمانية، ودعم القرارات، وتطوير المنتجات والخدمات.

ومع اتساع هذا الاستخدام، تتسع في المقابل دائرة الأسئلة.

فالذكاء الاصطناعي يحمل فرصًا هائلة لزيادة الكفاءة وخفض التكاليف وتحسين جودة القرارات وتسريع الابتكار، لكنه في الوقت نفسه يضيف طبقة جديدة من المخاطر والتحديات التي قد لا تتوقف عند حدود المؤسسة المالية الواحدة، بل تمتد آثارها إلى الأسواق والائتمان والأمن السيبراني، وربما إلى الاستقرار المالي نفسه.

وهنا يظهر السؤال الأهم: كيف يمكن للبنوك المركزية أن توازن بين تشجيع الابتكار والاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي، وبين فهم المخاطر الجديدة التي قد يحملها إلى النظام المالي؟

عندما يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من النظام المالي

لفترة طويلة، كان الحديث عن الذكاء الاصطناعي في القطاع المصرفي يدور حول تحسين تجربة العملاء أو تسريع العمليات التشغيلية. لكن المشهد تغير سريعًا.

فاليوم، تدخل النماذج الذكية في مساحات أكثر حساسية وتأثيرًا، بدءًا من تحليل كميات ضخمة من البيانات، مرورًا برصد الأنشطة المشبوهة واكتشاف الاحتيال، ووصولًا إلى تقييم العملاء واتخاذ قرارات ائتمانية وإدارة المخاطر.

ومع انتقال الذكاء الاصطناعي إلى هذه المستويات، يصبح تأثيره أكبر من مجرد كونه أداة تكنولوجية.

فإذا أصبحت القرارات الائتمانية تعتمد بصورة متزايدة على نماذج ذكية، وأصبحت المؤسسات المالية أكثر ارتباطًا ببنية رقمية وبيانات ومزودي خدمات مشتركين، فإن أي خلل في نموذج أو بيانات أو بنية تكنولوجية قد لا يظل مشكلة تخص مؤسسة واحدة.

وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي من تكنولوجيا تستخدمها البنوك إلى عنصر يمكن أن يؤثر في النظام المالي ككل.

مخاطر جديدة… وأسئلة أكثر تعقيدًا

كل تطور تكنولوجي كبير يخلق فرصًا جديدة، لكنه يفرض في المقابل تحديات جديدة. والذكاء الاصطناعي ليس استثناءً.

هناك مخاطر ترتبط بجودة البيانات التي تعتمد عليها النماذج، ودقة النتائج التي تنتجها، وقابلية تفسير القرارات، ومدى وجود تحيزات داخل البيانات أو الخوارزميات.

كما تبرز مخاطر الأمن السيبراني، والاعتماد المتزايد على مزودي التكنولوجيا، إلى جانب مخاطر التركّز، خاصة عندما تعتمد مؤسسات مالية عديدة على عدد محدود من الشركات أو منصات الحوسبة والبنية الرقمية.

والتحدي الحقيقي أن بعض هذه المخاطر قد تكون مترابطة.

فإذا تعرض مزود تكنولوجي رئيسي لعطل، أو ظهر خلل في نموذج تستخدمه عدة مؤسسات، أو تعرضت بنية رقمية مشتركة لهجوم سيبراني، فقد تنتقل التأثيرات بسرعة بين المؤسسات والأسواق.

ولهذا، لم يعد السؤال الرقابي يقتصر على:

هل يستخدم البنك الذكاء الاصطناعي؟

بل أصبح السؤال الأكثر أهمية:

هل يفهم البنك المخاطر الناتجة عن استخدامه؟ وهل يمتلك البيانات والحوكمة والضوابط والكوادر البشرية القادرة على إدارة هذه المخاطر؟

البنوك المركزية أمام مرحلة جديدة

هذه التحولات تضع البنوك المركزية أمام دور أكثر تعقيدًا.

فالمطلوب لم يعد فقط مراقبة كيفية استخدام البنوك للذكاء الاصطناعي، بل فهم تأثير هذه التكنولوجيا في الاقتصاد والأسواق والنظام المالي بصورة أوسع.

فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع الإنتاجية، ويغير طبيعة الأعمال والوظائف، ويؤثر في الاستثمار والطلب وسلوك الشركات والمستهلكين.

ومع الوقت، قد تمتد هذه التأثيرات إلى معدلات النمو والتضخم والأسواق المالية.

وهذا يعني أن البنوك المركزية قد تحتاج إلى تطوير أدواتها وأساليبها التحليلية لفهم اقتصاد يتغير بسرعة تحت تأثير التكنولوجيا.

وفي الوقت نفسه، أصبحت البنوك المركزية نفسها من المؤسسات التي تستفيد من الذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة، سواء في تحليل البيانات أو دعم التنبؤات أو تطوير أدوات الرقابة والإشراف.

وهنا تظهر معادلة جديدة ومثيرة للاهتمام:

البنوك المركزية تستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدراتها، وفي الوقت نفسه تسعى إلى فهم مخاطره على النظام الذي تشرف عليه.

مصر في قلب التحول الرقمي

في مصر، تزداد أهمية هذه القضية مع التطور المتسارع الذي يشهده القطاع المصرفي والبنية التكنولوجية والرقمية.

فالتحول الرقمي لم يعد مجرد اتجاه مستقبلي، بل أصبح جزءًا أساسيًا من تطوير الصناعة المصرفية، ومعه تتزايد أهمية البيانات والتحليلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي.

ويبرز دور البنك المركزي المصري في هذا السياق، باعتباره المؤسسة المسؤولة عن الحفاظ على سلامة واستقرار النظام النقدي والمصرفي.

ويتطلب المستقبل تطوير قدرات أكبر في تحليل البيانات، ودعم الرقابة، وفهم المخاطر الجديدة، وتعزيز استخدام التكنولوجيا الرقابية والإشرافية، إلى جانب الاهتمام بحوكمة البيانات والأمن السيبراني وبناء القدرات داخل القطاع المالي.

فالقضية لا تتعلق فقط بإدخال تقنية جديدة إلى المؤسسات المصرفية.

بل تتعلق بتغيير أوسع في طريقة تحليل المعلومات، وإدارة المخاطر، واتخاذ القرارات، وممارسة الرقابة.

وهنا يصبح وجود بيئة قوية للبيانات والحوكمة أمرًا أساسيًا.

فنجاح البنوك في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لن يعتمد فقط على قدرتها على شراء التكنولوجيا أو تطوير التطبيقات، وإنما على قدرتها على استخدامها بصورة مسؤولة وآمنة.

من الرقابة على البنوك إلى فهم الأنظمة الذكية

مع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي، ستحتاج الرقابة المصرفية نفسها إلى التطور.

فإلى جانب المؤشرات المالية التقليدية، ستظهر مجموعة جديدة من الأسئلة التي ستصبح جزءًا من عملية تقييم المخاطر.

كيف تم تصميم النموذج؟

وما نوعية البيانات التي يعتمد عليها؟

وهل يمكن تفسير القرارات التي يتخذها؟

وماذا يحدث عندما تتغير البيانات أو الظروف الاقتصادية؟

وهل توجد مراجعة وضوابط بشرية كافية؟

وكيف يمكن التعامل مع الأخطاء أو النتائج غير المتوقعة؟

وماذا يحدث إذا تعرضت البنية التكنولوجية لهجوم سيبراني أو توقف أحد مزودي الخدمات؟

هذه الأسئلة لا تهدف إلى تعطيل الابتكار أو إبطاء استخدام التكنولوجيا.

على العكس تمامًا.

فهم المخاطر هو أحد أهم شروط استمرار الابتكار.

فالابتكار الذي يتم دون حوكمة واضحة قد يحقق نتائج سريعة، لكنه قد يخلق في الوقت نفسه مخاطر يصعب التعامل معها لاحقًا.

أما الابتكار المسؤول، فهو الذي يستطيع أن يجمع بين سرعة التطور وقوة الضوابط.

الخطر لا يأتي من التكنولوجيا وحدها

هناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو النمو المتسارع في اقتصاد الذكاء الاصطناعي نفسه.

فالاستثمارات في مراكز البيانات، والحوسبة، والرقائق الإلكترونية، والبنية التحتية الرقمية تتزايد بصورة كبيرة، مدفوعة بتوقعات ضخمة حول مستقبل هذه التكنولوجيا.

وهذه الاستثمارات تفتح بالفعل آفاقًا واسعة للنمو والابتكار.

لكنها تطرح في الوقت نفسه أسئلة مهمة حول حجم التمويل، والتقييمات، والديون، ومدى قدرة العوائد المستقبلية على تبرير حجم الاستثمارات الحالية.

ومن هنا، يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من نقاش أوسع يتعلق بالاقتصاد والأسواق والاستقرار المالي.

فالبنوك المركزية لا تحتاج فقط إلى فهم كيفية استخدام البنوك للذكاء الاصطناعي، بل تحتاج أيضًا إلى فهم تأثير اقتصاد الذكاء الاصطناعي في الاستثمار والأسواق وسلوك المستثمرين.

السباق الحقيقي

قد يبدو المشهد اليوم وكأنه سباق بين البنوك حول من يستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة أسرع وأكثر كفاءة.

لكن هناك سباقًا آخر يحدث في الوقت نفسه، وربما يكون أكثر أهمية.

إنه السباق بين سرعة تطور الذكاء الاصطناعي وسرعة قدرة المنظومة المالية على فهمه وإدارة مخاطره.

وهنا يتعاظم دور البنوك المركزية.

فالمطلوب ليس إيقاف الابتكار، ولا التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره تهديدًا يجب تجنبه.

كما أن المطلوب ليس فتح الباب أمام التكنولوجيا دون ضوابط.

التحدي الحقيقي هو بناء بيئة تسمح بالاستفادة من الفرص الهائلة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، مع وجود أطر قوية للحوكمة وإدارة المخاطر وحماية العملاء وتعزيز الأمن السيبراني والحفاظ على استقرار النظام المالي.

وفي مصر، ستزداد أهمية هذه المعادلة مع اتساع التحول الرقمي داخل القطاع المصرفي وتطور استخدام البيانات والتحليلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي.

فالذكاء الاصطناعي قد يجعل البنوك أكثر سرعة وكفاءة وذكاءً.

لكن التحدي الأكبر أمام البنوك المركزية هو أن تجعل النظام المالي نفسه أكثر قدرة على فهم هذا الذكاء، وإدارة مخاطره، والاستفادة من إمكاناته دون المساس بالثقة والاستقرار.

لأن المرحلة القادمة لن تكون فقط عن البنوك التي تستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل أفضل.

بل عن المنظومات المالية التي تستطيع أن تبتكر أسرع… وتفهم المخاطر أعمق.

nabd تابع بنوك أونلاين علي نبض
تم نسخ الرابط