عندما يدخل البنك إلى الهاتف… ماذا تفعل البنوك التقليدية؟

بوابة بنوك أونلاين

لسنوات طويلة، كانت المنافسة بين البنوك تدور حول عدد الفروع، ومواقعها، وحجم شبكة ماكينات الصراف الآلي. وكان البنك الأقرب إلى منزل العميل أو شركته يتمتع بأفضلية واضحة.

أما اليوم، فقد تغير السؤال من: «أين يقع فرع البنك؟» إلى: «هل أستطيع إنهاء معاملتي من الهاتف؟»

ومع دخول البنوك الرقمية الجديدة إلى السوق المصرية، ستجد البنوك التقليدية نفسها أمام منافسين لا يمتلكون فروعًا كثيرة، ولا ينتظر عندهم العميل دوره، ولا يطلبون منه تصوير الورقة نفسها ثلاث مرات!

لكن هذا لا يعني أن البنوك التقليدية أصبحت من الماضي. فهي تمتلك نقاط قوة ضخمة: الثقة، وقاعدة العملاء، والودائع، والخبرة، والانتشار، والعلاقات مع الشركات. والمشكلة ليست في وجود الفروع، بل في إدارة البنك بعقلية الفرع في زمن الهاتف المحمول.

البنك الرقمي لا يبيع تطبيقًا فقط

قد تعتقد بعض البنوك أن الرد المناسب هو تحديث شكل التطبيق، وتغيير ألوانه، وإضافة بعض الأزرار الجديدة. ولكن العميل لا يريد تطبيقًا أجمل فقط؛ بل يريد خدمة أبسط وأسرع.

البنك الرقمي يبدأ من سؤال مختلف: ماذا يحتاج العميل، وكيف يحصل عليه بأقل عدد من الخطوات؟

أما البنك التقليدي، فقد يبدأ أحيانًا من سؤال آخر: كيف ننقل الإجراءات القديمة نفسها إلى شاشة الهاتف؟

وهنا يظهر الفرق بين «رقمنة البنك» و«وضع أوراق البنك داخل تطبيق».

إذا كان فتح الحساب يحتاج إلى عشر خطوات، والحصول على التمويل يتطلب زيارة الفرع، والعميل لا يعرف لماذا رُفض طلبه، فلن تنقذ المشكلةَ شاشةٌ أنيقة.

هل تغلق البنوك فروعها؟

ليس بالضرورة. فالفرع يمكن أن يتحول من عبء إلى ميزة إذا تغير دوره.

لن يذهب العميل إلى الفرع مستقبلًا من أجل تحويل بسيط أو طباعة كشف حساب. لكنه قد يذهب للحصول على استشارة، أو ترتيب تمويل لشركته، أو إدارة ثروته، أو مناقشة قرض عقاري، أو حل مشكلة معقدة.

وبذلك يصبح الفرع مكانًا للعلاقة والاستشارة، وليس مصنعًا للأختام والتوقيعات.

يمكن للبنوك أيضًا تقليل الفروع التقليدية الكبيرة، وإنشاء نقاط خدمة أصغر داخل الجامعات والمراكز التجارية والمناطق الصناعية، مع الاعتماد على موظفين قادرين على تقديم أكثر من خدمة.

فالهدف ليس أن يكون للبنك أكبر عدد من الفروع، بل أن يكون موجودًا حيث يحتاجه العميل، سواء داخل الهاتف أو خارجه.

أمام البنوك التقليدية ثلاثة طرق

الطريق الأول هو تطوير البنك بالكامل من الداخل. وهذا يمنح البنك سيطرة كاملة، لكنه يحتاج إلى وقت وقيادات قادرة على تغيير طريقة العمل، وليس فقط شراء نظام تكنولوجي جديد.

الطريق الثاني هو إنشاء ذراع أو علامة رقمية مستقلة، تعمل بفريق مختلف ونظم أسرع وثقافة أقرب إلى شركات التكنولوجيا. وتكون هذه الذراع حرة نسبيًا من الإجراءات القديمة، مع الاستفادة من قوة البنك الأم.

أما الطريق الثالث فهو التعاون مع شركات التكنولوجيا المالية بدلًا من محاولة اختراع كل شيء داخل البنك. فقد تتخصص شركة في الهوية الإلكترونية، وأخرى في تقييم الائتمان، وثالثة في الاستثمار، ورابعة في التأمين أو إدارة المصروفات.

ولا يوجد ما يمنع البنك من استخدام الطرق الثلاث معًا: يطور خدماته الأساسية، وينشئ نموذجًا رقميًا جديدًا، ويتعاون مع شركاء متخصصين.

من يملك العميل؟

المنافسة القادمة لن تكون فقط على الحساب البنكي، بل على التطبيق الذي يفتحه العميل كل يوم.

قد يحتفظ العميل بحسابه في بنك كبير، لكنه يستخدم تطبيقًا آخر للدفع، وثالثًا للاستثمار، ورابعًا للتقسيط. وهنا يصبح البنك هو المكان الذي تُحفظ فيه الأموال، بينما تذهب العلاقة اليومية والبيانات والعمولات إلى الآخرين.

لذلك يجب أن يتحول تطبيق البنك من «خزنة إلكترونية» إلى مساعد مالي يساعد العميل على فهم أمواله.

يمكن للتطبيق أن يقول له مثلًا:

* لقد ارتفعت مصروفاتك هذا الشهر.
* لديك مبلغ لا تستخدمه، هل تريد ادخاره أو استثماره؟
* اقترب موعد أحد التزاماتك.
* يمكنك الوصول إلى هدفك إذا ادخرت مبلغًا محددًا شهريًا.
* هذا التمويل مناسب لدخلك، أما العرض الآخر فقد يسبب لك ضغطًا.

العميل لا يحتاج إلى تطبيق يعرض الرصيد فقط. هو يعرف أن الرصيد قليل بالفعل، ولا يحتاج إلى من يذكره! ما يحتاجه هو من يساعده على تحسين وضعه المالي.

المنتجات أهم من التطبيق

إذا عرضت جميع البنوك الحسابات والبطاقات وشهادات الادخار نفسها، فلن تكون المنافسة إلا على السعر والإعلان.

الفرصة الحقيقية هي ابتكار منتجات تناسب احتياجات فئات مختلفة، مثل:

* حسابات ادخار مرنة للشباب.
* برامج للزواج أو التعليم أو التقاعد.
* أدوات ادخار تلقائي بمبالغ صغيرة.
* منتجات مرتبطة بالذهب والسلع.
* صناديق سيولة واستثمار يمكن الاشتراك فيها بسهولة.
* منتجات متوافقة مع أحكام الشريعة.
* تمويل يعتمد على تدفقات الشركات الصغيرة بدلًا من الضمانات التقليدية فقط.
* حلول للتمويل العقاري والطاقة النظيفة والتجارة والصادرات.
* خدمات لإدارة ثروات العائلات وأموال الشركات.
* تأمين بسيط يمكن الحصول عليه من الهاتف.

لن يستطيع كل بنك تصنيع كل هذه المنتجات بنفسه. ولذلك قد يتحول البنك إلى «سوبر ماركت مالي» يعرض منتجات من مؤسسات متعددة، بعد التحقق من جودتها وملاءمتها للعملاء.

الشراكة بدلًا من امتلاك كل شيء

كانت بعض البنوك تعتقد أن عليها امتلاك المنتج والنظام وقناة التوزيع وخدمة العملاء في الوقت نفسه. لكن هذا النموذج مكلف وبطيء.

في المستقبل، قد يصمم مدير استثمار المنتج، ويتولى بنك آخر الحفظ والتسوية، وتوفر شركة تكنولوجيا النظام، بينما يقوم البنك بتوزيعه على عملائه.

البنك الذي يصر على بناء كل شيء داخله قد يصل متأخرًا، بعد أن يكون السوق قد انتقل إلى منتج آخر.

لذلك ستصبح واجهات الربط الإلكتروني، أو ما يعرف بالـAPIs، من أهم أصول البنك. فهي تسمح له بإضافة منتجات وخدمات جديدة بسرعة، دون إعادة بناء نظامه بالكامل كل مرة.

ماذا عن الشباب؟

لا يكفي جذب الشباب بإعلان مرح وبطاقة ملونة. فالشباب سيقارنون البنوك من خلال السرعة والوضوح وسهولة الاستخدام.

هم يريدون معرفة تكلفة التمويل الحقيقية، ويريدون البدء في الاستثمار بمبالغ صغيرة، والحصول على خدمة فورية، وعدم انتظار موظف يخبرهم بأن «السيستم واقع».

لكن البنوك مسؤولة أيضًا عن حمايتهم من سهولة الاقتراض المفرط. فالتكنولوجيا التي تمنح التمويل خلال دقائق يجب أن تساعد العميل كذلك على معرفة ما إذا كان يستطيع السداد.

البنك الناجح لن يكون من يقرض الشباب أكثر، بل من يساعدهم على الادخار والاستثمار والاقتراض بصورة مسؤولة.

البيانات والذكاء الاصطناعي

تمتلك البنوك التقليدية كنزًا هائلًا من البيانات، لكنها لا تستخدمه دائمًا بصورة فعالة.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدها على كشف الاحتيال، وتحسين خدمة العملاء، ودراسة الائتمان، وتخصيص العروض، وتسريع الأعمال الداخلية.

لكن يجب استخدامه في إطار واضح يحمي خصوصية العميل ولا يحوله إلى هدف دائم للإعلانات والقروض. فالعميل يريد من البنك أن يفهمه، لا أن يطارده.

كما أن الذكاء الاصطناعي لا يصلح الإجراءات السيئة من تلقاء نفسه. إذا كانت العملية معقدة، فإن إضافة روبوت إليها قد تجعلها معقدة بسرعة أكبر فقط!

الاستعداد للترميز

إذا سمحت القواعد مستقبلًا بترميز الأصول والحقوق المالية، فقد تتغير السوق مرة أخرى.

سيصبح من الممكن تمثيل حصة في أصل عقاري، أو مشروع طاقة، أو تدفقات مالية، في صورة وحدات رقمية قانونية. وعندها يمكن للبنك أن يؤدي أدوارًا متعددة: حفظ الأموال، والتحقق من العملاء، وتمويل المستثمرين، وتوزيع المنتجات، وربما حفظ وتسوية الأصول المرمزة.

لكن على البنوك الاستعداد من الآن من خلال تحديث أنظمتها، وبناء قدرات الحفظ والربط الإلكتروني، وفهم الأصول الجديدة. فالترميز ليس عملة غامضة تُتداول في الفضاء، بل طريقة رقمية لتنظيم ملكية حقيقية، بشرط وجود قانون ورقابة وسجل رسمي وحماية للمستثمر.

أين يجب أن تتجه البنوك؟

الاتجاه الصحيح ليس إغلاق جميع الفروع، ولا تقليد شركات التكنولوجيا، ولا إنشاء تطبيق جديد كل عام.

المطلوب هو نموذج مصرفي هجين يجمع بين:

* قوة البنك وثقة العملاء فيه.
* سرعة المنصة الرقمية.
* خبرة الموظف عند الحاجة.
* منتجات مؤسسات مالية متخصصة.
* شراكات مع شركات التكنولوجيا المالية.
* استخدام مسؤول للبيانات والذكاء الاصطناعي.
* نظام مفتوح يستطيع إضافة المنتجات الجديدة بسرعة.

كما يجب أن تتغير ثقافة الإدارة. فلا يمكن للبنك أن يطلب الابتكار من فريق صغير، ثم يجعله ينتظر سبع موافقات حتى يغير جملة داخل التطبيق.

الخلاصة

البنوك التقليدية لن تنهزم لأنها تمتلك فروعًا، بل قد تتراجع إذا اعتبرت أن تاريخها وحجمها يكفيان لحماية مستقبلها.

والبنوك الرقمية لن تنجح لمجرد أنها بلا فروع؛ بل يجب أن تقدم منتجات مفيدة، وتحافظ على ثقة العميل، وتدير المخاطر بصورة سليمة.

المنافسة القادمة لن تكون بين «بنك قديم» و«بنك جديد»، وإنما بين مؤسسة تفهم احتياجات العميل وتتحرك بسرعة، وأخرى لا تزال تطلب منه التوجه إلى الفرع لإثبات أنه الشخص نفسه الذي عرفته منذ عشرين عامًا.

المستقبل سيكون للبنك الذي يستطيع الجمع بين دفء العلاقة الإنسانية وسرعة الهاتف، وبين قوة الميزانية ومرونة التكنولوجيا، وبين حفظ الأموال ومساعدة أصحابها على تنميتها.

فالفرع لن يموت، لكنه سيتوقف—لحسن الحظ—عن مطالبتنا بصورة بطاقة الرقم القومي للمرة الخامسة.

nabd تابع بنوك أونلاين علي نبض
تم نسخ الرابط