المهندس سمير العلايلي يكتب.. من حصّالة جدّتي إلى موبايل حفيدي "الذهب يدخل عصرًا جديدًا"

بوابة بنوك أونلاين

كانت جدّاتنا يعرفن طريق الذهب جيدًا، دون تطبيق على الموبايل أو شاشة تعرض الأسعار كل ثانية. قطعة صغيرة تُشترى عند توافر المال، وتُحفظ لزواج الأبناء أو لمواجهة ظرف صعب. كانت الفكرة بسيطة: نضع جزءًا من تعب اليوم في شيء قد يساعدنا غدًا.

واليوم تتطور الوسيلة، بينما تبقى الرغبة الإنسانية نفسها: أن ندخر، ونطمئن، ونمنح أولادنا فرصة أفضل. وربما لو عرفت جدّتي أن حفيدها يستطيع شراء وثيقة في صندوق ذهب من هاتفه، لقالت: «جميل… لكن تأكد أولًا أن الذهب موجود فعلًا!». وفي الحقيقة، ستكون قد طرحت أحد أهم الأسئلة في عالم الاستثمار الحديث.

وقبل أن نتحدث عن صناديق الذهب، دعونا نفهم تعبيرًا يبدو أكبر من حجمه: «الأصول البديلة».

اعتدنا أن نفكر في الاستثمار من خلال الأسهم والسندات والودائع. وإلى جانبها توجد استثمارات أخرى، منها العقارات، والمشاركة في شركات غير مقيدة بالبورصة، ومشروعات البنية الأساسية، والسلع والمعادن. تُجمع هذه المجالات، وغيرها، تحت اسم الأصول البديلة. وهي مختلفة في طبيعتها ومخاطرها، وقد تساعد على تنويع مصادر العائد بدلًا من اعتماد المدخرات كلها على باب واحد. (cfainstitute.org⁠)

وكلمة «بديلة» لا تعني أنها غريبة أو حديثة؛ فالأرض والذهب أقدم كثيرًا من شاشات البورصة!

أما السلع، فهي المواد الأساسية التي ينتجها العالم ويستهلكها: القمح والبن، والبترول، والنحاس، والفضة والذهب. والذهب سلعة لأنه معدن يُستخرج ويُصنّع ويُباع وفق الوزن والنقاء، لكنه يتميز أيضًا بدوره في الزينة والادخار والاحتياطيات. فسعره لا يرتبط باحتياجات الصناعة وحدها، بل يتأثر كذلك برغبة الناس والمؤسسات في الاحتفاظ به.

ومن يناسبه الاستثمار في الأصول البديلة؟ من لديه هدف واضح، ويفهم ما يشتريه، ويستطيع تحمل مخاطر الاستثمار والانتظار للمدة التي يحتاجها. فبعض هذه الأصول يصعب بيعه بسرعة، وبعضها يتقلب سعره بشدة. ولهذا تختلف احتياجات شاب يدخر جزءًا من دخله عن احتياجات أسرة تعتمد على دخل شهري، وعن مؤسسة تستثمر لعشرين عامًا. التنويع مفيد، لكنه يحتاج إلى اختيار مناسب، لا إلى جمع كل ما يحمل اسمًا جديدًا. (cfainstitute.org⁠)

وهنا تأتي صناديق الذهب لتفتح بابًا أوسع للمشاركة.

فبدلًا من أن يشتري كل فرد سبيكة، ويفكر في حفظها وتأمينها وإعادة بيعها، يجمع الصندوق أموال المستثمرين ويستثمرها وفق سياسة معلنة. ويحصل المستثمر على وثائق تمثل حصته في صافي أصول الصندوق. وفي الصناديق المدعومة بالذهب الفعلي، تكون وراء هذه الوثائق كميات من الذهب محفوظة لدى جهة مختصة، إلى جانب ما تسمح به سياسة الصندوق من سيولة أو استثمارات أخرى.

المستثمر هنا يمتلك وثيقة في صندوق، ولا يعني ذلك بالضرورة أن له سبيكة محددة باسمه يمكنه استلامها في أي وقت. فالاسترداد قد يكون نقديًا، وقد يسمح بعض المنتجات باستلام ذهب فعلي بشروط وأوزان ورسوم محددة.

ولأن الاسم وحده لا يكفي، يجب أن نعرف أن صناديق الذهب ليست كلها نسخة واحدة.

هناك صندوق يركز على الاحتفاظ بالذهب الفعلي، ويهدف إلى الاقتراب من حركة سعره بعد المصروفات. وهناك صندوق يجمع بين الذهب والسيولة أو أدوات الدين بنسب معلنة. وهناك صناديق للمعادن الثمينة قد تضم الذهب والفضة معًا، فتختلف حركتها عن الذهب وحده.

ومن حيث أسلوب الإدارة، قد يلتزم صندوق بتتبع الذهب بدرجة كبيرة، بينما يسمح آخر لمديره بتعديل النسب والشراء والبيع داخل حدود محددة. وعلى المستوى العالمي، توجد أيضًا صناديق تستخدم عقودًا مالية مرتبطة بسعر الذهب، وأخرى تستثمر في أسهم شركات التعدين. والأخيرة تتحمل مخاطر تشغيل الشركات وإدارتها وتكاليفها، إضافة إلى تأثرها بسعر المعدن؛ فشراء سهم في منجم يختلف عن امتلاك حصة في ذهب محفوظ.

كذلك تختلف طريقة التعامل مع الوثائق: فقد يكون الشراء والاسترداد من خلال الجهات المعتمدة في مواعيد محددة، أو تكون الوثائق متداولة في البورصة حيث يسمح هيكل المنتج بذلك. ووجود الصندوق على تطبيق لا يعني تلقائيًا أنه متداول لحظيًا.

والسؤال الذي يتكرر هو: إذا كنا نريد الاحتفاظ بالذهب، فلماذا نحتاج إلى التداول داخل الصندوق؟

لأن الصندوق ليس خزنة نغلقها وننسى المفتاح. مستثمر يدخل، وآخر يحتاج إلى استرداد أمواله، وأسعار تتحرك، ونسب استثمار يجب الحفاظ عليها. يحتاج المدير إلى شراء الذهب أو بيعه لتلبية هذه التدفقات وإدارة السيولة وإعادة التوازن، وقد يتخذ قرارات إضافية إذا كانت سياسة الصندوق تسمح بالإدارة النشطة.

لكن أهمية التداول لا تعني أن كثرة البيع والشراء دليل نجاح. فلكل عملية تكلفة، وقد يخطئ المدير في توقيت السوق. المطلوب تداول يخدم هدف الصندوق، مع تنفيذ منضبط وفصل واضح بين اتخاذ القرار وتنفيذ صفقة المعدن وحفظه وحساب قيمة الوثائق.

وعند مقارنة النتائج، علينا مقارنة الفترة نفسها، وأخذ الرسوم وطريقة التقييم في الحسبان. لا يصح أن نقارن عائد سنة كاملة بعائد ثلاثة أشهر، ثم نوزع الميداليات!

وتزداد أهمية الذهب والسلع عندما ننظر إليهما داخل محفظة أوسع، كما في بعض الصناديق المختلطة، أو ما يسمى بالصناديق الهجينة.

يمكن لصندوق من هذا النوع أن يجمع أصولًا تسعى إلى النمو، وأخرى توفر دخلًا أو سيولة، مع جزء من الذهب أو السلع بهدف تنويع المخاطر. والفكرة أن هذه الأصول قد تستجيب للظروف الاقتصادية بطرق مختلفة، مما يساعد على تخفيف أثر بعض الصدمات. (cfainstitute.org⁠)

وهذا هو معنى التحوط ببساطة: أن نستعد لاحتمال تغير الظروف، بدلًا من بناء خطتنا على توقع واحد.

لكن الذهب ليس مظلة تمنع كل أنواع المطر. فقد ينخفض سعره، ولا يوفر بذاته دخلًا دوريًا كالإيجار أو الفائدة، ولا يضمن تعويض التضخم في كل فترة. كما أن السلع لا تتحرك كلها بالطريقة نفسها. لذلك يجب أن يحدد مدير الصندوق: ما الخطر الذي نحاول تخفيفه، وبأي نسبة، ولأي مدة؟ (gold.org⁠)

أما المستقبل الذي يثير تفاؤلي، فهو انتقال هذه الأدوات إلى مرحلة أوسع من الرقمنة، وصولًا إلى ما يُعرف بترميز الأصول.

والاسم أبسط مما يبدو: رمز رقمي، أو «توكن»، يمثل حقًا قانونيًا محددًا في أصل، مثل كمية من الذهب أو وثيقة في صندوق. ويمكن للتكنولوجيا أن تسهل تسجيل هذه الحقوق ونقلها ومراجعتها. لكن قوة الرمز تأتي من قوة الحق الذي يمثله، ومن وجود الأصل وحفظه والقدرة على استرداده وفق القواعد. (bis.org⁠)

ولهذا أتوقع أن يتطور السوق نحو مزيد من الترميز المنظم، مع اكتمال الأطر الرقابية والتقنية. وهذه رؤية للمستقبل، وليست إعلانًا بأن جميع هذه المنتجات متاحة اليوم في مصر. كما أن شراء وثيقة صغيرة من الموبايل لا يحتاج أصلًا إلى انتظار الترميز؛ فالتجزئة والشراء الإلكتروني ممكنان ضمن منتجات منظمة قبل الوصول إلى تلك المرحلة.

تخيلوا شابًا يخصص مبلغًا صغيرًا من دخله كل شهر، ويتابع مدخراته من هاتفه. وقد يختار وثائق صندوق، أو يشتري ذهبًا فعليًا محفوظًا لحسابه من خلال خدمة منظمة، ثم يطلب استلامه عندما تسمح الشروط، للادخار أو هدية أو مناسبة عائلية. المهم أن يعرف في كل حالة ما يملكه، وما يدفعه من رسوم، وكيف يبيع أو يسترد حقه.

وهنا تصبح التكنولوجيا وسيلة لتوسيع المشاركة: مبالغ بداية أصغر، ومعلومات أوضح، وإجراءات أسهل، وفرصة لجيل جديد أن يتعلم الادخار والاستثمار خطوة خطوة.

أنا متفائل بهذا المستقبل؛ فالمطلوب ليس أن يصبح كل شاب خبيرًا في المعادن، بل أن تتوافر له أدوات مفهومة، ومؤسسات مسؤولة، ورقابة تبني الثقة، وثقافة تساعده على الاختيار.

لقد بدأت الحكاية بقطعة ذهب تحفظها الأسرة لوقت الحاجة، وقد تستمر اليوم بوثيقة، وغدًا برمز رقمي يمثل أصلًا حقيقيًا. تتغير الوسائل، ويبقى الهدف جميلًا وبسيطًا: أن يصبح تعب اليوم فرصة أفضل للغد.

وأظن أن جدّتي كانت ستوافق… بعد أن تطمئن، بالطبع، إلى مكان الذهب!

nabd تابع بنوك أونلاين علي نبض
تم نسخ الرابط