البنوك المصرية في سباق الرقمنة.. من يحول التكنولوجيا إلى عملاء ومعاملات وأرباح؟
لم تعد المنافسة بين البنوك المصرية مقتصرة على أسعار العائد على الودائع والقروض أو التوسع في الفروع، بل امتدت إلى جودة الخدمات الرقمية وسهولة تنفيذ المعاملات عبر الهاتف المحمول والإنترنت، وقدرة البنوك على تحويل التكنولوجيا إلى وسيلة لجذب العملاء وزيادة الاستخدام وتحسين الكفاءة التشغيلية.
وتكشف أحدث المؤشرات عن اتساع نطاق استخدام المدفوعات الرقمية في مصر، بالتزامن مع تطور البنية التحتية للمدفوعات، والتوسع في المحافظ الإلكترونية، والتحرك نحو تيسير تقديم الخدمات المصرفية عن بُعد.
المدفوعات اللحظية.. مليارات المعاملات تعيد تشكيل السوق
سجلت شبكة المدفوعات اللحظية في مصر 843 مليون معاملة بقيمة تجاوزت تريليوني جنيه خلال الربع الأول من 2026، وفق بيانات تقرير الاستقرار المالي الصادر عن البنك المركزي المصري، بما يعكس اتساع استخدام التحويلات والمدفوعات الرقمية.
وعلى مستوى المؤشرات التراكمية، أعلن البنك المركزي أن عدد العملاء المسجلين بشبكة المدفوعات اللحظية بلغ نحو 22 مليون عميل بنهاية الربع الثاني من 2026، مع تنفيذ 1.47 مليار معاملة بقيمة إجمالية بلغت نحو 4.33 تريليون جنيه.
وتشير هذه الأرقام إلى اتساع قاعدة مستخدمي المدفوعات الفورية، لكنها لا تعني أن جميع هؤلاء العملاء يستخدمون تطبيقًا مصرفيًا بعينه أو أنهم نشطون بالدرجة نفسها؛ وهو ما يجعل قياس الاستخدام الفعلي لكل بنك أمرًا ضروريًا عند تقييم المنافسة الرقمية.
المحافظ الإلكترونية.. قاعدة واسعة وقيمة معاملات متنامية
بلغ عدد حسابات محافظ الهاتف المحمول نحو 60.3 مليون حساب بنهاية مارس 2026، بزيادة سنوية بلغت 28.7%، فيما وصلت قيمة المعاملات المنفذة عبر المحافظ إلى نحو 1.6 تريليون جنيه خلال الربع الأول من العام، بنمو سنوي بلغ 28.2%.
وتعكس هذه المؤشرات اتساع الاعتماد على المحافظ الإلكترونية في المعاملات المالية، كما تفتح المجال أمام البنوك ومقدمي خدمات الدفع لتطوير حلول أكثر سهولة وملاءمة للاحتياجات اليومية للعملاء.
لكن عدد الحسابات وحده لا يكفي للحكم على نجاح الخدمات الرقمية؛ إذ يتطلب التقييم معرفة عدد المحافظ النشطة، ومتوسط المعاملات لكل مستخدم، وتكلفة تقديم الخدمة، ومدى استمرار العملاء في استخدامها.
الشمول المالي يوسع قاعدة العملاء المحتملين
بلغ معدل الشمول المالي في مصر 79% بنهاية يونيو 2026، بما يعادل 56.4 مليون مواطن من إجمالي 71.4 مليون مواطن في الفئة العمرية 15 عامًا فأكثر.
وتمثل هذه النسبة مؤشرًا على اتساع قاعدة المواطنين الذين يمتلكون وسائل للوصول إلى الخدمات المالية الرسمية، لكنها لا تعني أن جميعهم عملاء لدى البنوك؛ إذ يشمل القياس الحسابات المصرفية والبريدية ومحافظ الهاتف المحمول والبطاقات المدفوعة مقدمًا.
ومن ثم، تتمثل الفرصة أمام البنوك في تحويل اتساع الشمول المالي إلى استخدام مستدام للخدمات، عبر تطبيقات سهلة، وتجربة مصرفية مستقرة، وخدمات تلبي احتياجات العملاء بدلًا من الاكتفاء بزيادة أعداد الحسابات المسجلة.
البنية التحتية الرقمية.. توسع في نقاط الوصول
تجاوز عدد ماكينات الصراف الآلي في مصر 26,457 ماكينة بنهاية مارس 2026، فيما تخطى عدد نقاط البيع الإلكترونية 1.4 مليون نقطة، وفق البيانات المنشورة استنادًا إلى تقرير الاستقرار المالي للبنك المركزي المصري.
ويعكس نمو البنية التحتية استمرار أهمية القنوات المادية والإلكترونية معًا في تقديم الخدمات المالية، فالمنافسة الرقمية لا تعني اختفاء الفروع أو ماكينات الصراف الآلي، بل بناء منظومة متكاملة تسمح للعميل بالانتقال بين القنوات المختلفة بسهولة وأمان.
بنك CIB نموذجًا.. مؤشرات رقمية من نتائج بنك مدرج
تقدم نتائج البنك التجاري الدولي – مصر «CIB» للنصف الأول من 2026 مثالًا على إمكانية قياس بعض جوانب التحول الرقمي من خلال الإفصاحات المنشورة.
وبحسب نتائج البنك، تجاوز عدد مستخدمي منصاته المصرفية الرقمية 2.2 مليون مستخدم بنهاية النصف الأول من العام، بزيادة سنوية بلغت 15%.
كما سجلت قيمة المعاملات عبر المنصات الرقمية نحو 3.6 تريليون جنيه، بنمو 55% على أساس سنوي.
وسجلت نسبة إصدار شهادات الإيداع عبر القنوات الرقمية 90.2%، بما يشير إلى دور القنوات الإلكترونية في إتمام بعض عمليات بيع المنتجات المصرفية دون الاعتماد الكامل على الفروع.
وتقدم هذه الأرقام مؤشرات على اتساع استخدام المنصات الرقمية لدى البنك، لكنها لا تكفي وحدها لترتيب البنوك المصرية من حيث الأداء الرقمي، في ظل غياب مجموعة موحدة من المؤشرات المنشورة بصورة قابلة للمقارنة بين جميع البنوك.
الهوية المالية الرقمية.. دعم الخدمات عن بُعد
اعتماد البنك المركزي المصري قواعد منظومة الهوية المالية الرقمية خلال أغسطس 2026 يمثل خطوة تنظيمية داعمة لتطوير الخدمات المصرفية عن بُعد، من خلال التحقق الإلكتروني من هوية العملاء وفق الضوابط المعتمدة.
وتدعم هذه الخطوة التوجه نحو تقليل الحاجة إلى الحضور الشخصي في بعض الإجراءات المصرفية، وتسهيل الوصول إلى الخدمات الرقمية، مع استمرار الالتزام بمتطلبات حماية البيانات والتحقق من الهوية والأمن السيبراني.
ولا يعني صدور القواعد أن جميع البنوك تتيح كل الخدمات عن بُعد بالشروط والإجراءات نفسها؛ إذ يرتبط التطبيق الفعلي بالخدمات التي يتيحها كل بنك والضوابط المنظمة لها.
الأمن السيبراني.. اختبار الثقة في الخدمات الرقمية
مع ارتفاع حجم المعاملات الرقمية، تتزايد أهمية حماية حسابات العملاء وبياناتهم، وتأمين التطبيقات ووسائل التحقق من الهوية، ورصد العمليات غير المعتادة والاستجابة السريعة لمحاولات الاحتيال.
ومن ثم، لا تقاس جودة التطبيق المصرفي بعدد الخدمات التي يقدمها فقط، بل أيضًا باستقراره وسرعة تنفيذ المعاملات ووضوح الإجراءات وسهولة الحصول على الدعم عند حدوث مشكلة.
وتظل الثقة عاملًا حاسمًا في تحويل المستخدم من تجربة خدمة رقمية مرة واحدة إلى الاعتماد عليها بصورة منتظمة.
كيف يمكن قياس المنافسة الرقمية بين البنوك؟
لإعداد مقارنة موضوعية بين البنوك العاملة في مصر، ينبغي الاعتماد على مؤشرات موحدة، أبرزها:
- المستخدمون النشطون: عدد العملاء الذين يستخدمون التطبيق أو المنصة خلال فترة محددة، وليس إجمالي المسجلين فقط.
- حجم المعاملات الرقمية: عدد العمليات وقيمتها، مع تحديد الفترة الزمنية ونوع المعاملات.
- نسبة التحول إلى القنوات الرقمية: حصة المعاملات المنفذة إلكترونيًا من إجمالي معاملات البنك.
- المبيعات الرقمية: نسبة الحسابات والودائع والشهادات والمنتجات الأخرى التي يتم الحصول عليها عبر القنوات الإلكترونية.
- الكفاءة التشغيلية: تكلفة تنفيذ المعاملة رقميًا مقارنة بالقنوات التقليدية، ومدى تأثير التحول الرقمي على المصروفات.
- جودة الخدمة: معدلات إتمام العمليات بنجاح، وسرعة الاستجابة للشكاوى، واستقرار التطبيق.
- الأمن السيبراني: مؤشرات الحماية والاستجابة للحوادث، مع مراعاة عدم نشر تفاصيل أمنية حساسة.
تابع بنوك أونلاين علي نبض











