سمير العلايلي يكتب: حتى لا يُباع تعب العمر… الوقف بروح جديدة لمستقبل العائلة ومصر

بوابة بنوك أونلاين

أجمل ما يتركه الإنسان لأبنائه ليس فقط ما جمعه من مال، وإنما ما بناه من عمل يستطيع أن يستمر وينمو من بعده. مصنع بدأ بورشة صغيرة، أو شركة انطلقت من مكتب متواضع، أو تجارة كبرت بالصبر والثقة، حتى أصبحت مصدر رزق لعشرات وربما مئات الأسر.

لكن صاحب هذا النجاح، الذي يعرف تفاصيل عمله أكثر مما يعرف تفاصيل هاتفه المحمول، يظل يسأل نفسه: ماذا سيحدث لكل هذا عندما أقرر أن أستريح قليلًا؟ ومن سيتولى المسؤولية؟ وهل سيكمل الأبناء المشوار معًا، أم يصبح تقسيم ما بنيناه أسهل من الاتفاق على إدارته؟

والحقيقة أن هذه الأسئلة تحمل فرصة كبيرة. فكما نجحنا في بناء شركات بدأت بفكرة، نستطيع أن نبني لها مستقبلًا يبدأ بالتنظيم.

ومن هنا أرى أهمية أن نفتح حوارًا حول فكرة عرفناها في تراثنا: الوقف، وكيف يمكن أن نستلهم منها إطارًا حديثًا يحافظ على الأصول المنتجة، وينظم الانتفاع بعوائدها، ويحمي حقوق الأجيال المقبلة.

فكرة الوقف في جوهرها بسيطة وعميقة: أن يبقى الأصل، وأن يستمر نفعه. وهي فكرة تستحق أن نتأملها ونحن نبحث عن وسائل تمنح الشركات العائلية عمرًا أطول من عمر مؤسسيها.

وهنا يجب أن نوضح نقطة مهمة: مصر ألغت الوقف الأهلي، أو الوقف على غير الخيرات، بالقانون رقم ١٨٠ لسنة ١٩٥٢. ولذلك، فإن الحديث عن استخدام وقف عائلي لحماية الشركات اليوم هو اقتراح لتطوير التشريع، وليس ترتيبًا متاحًا حاليًا نستطيع تنفيذه بمجرد توقيع عقد. 

ما أدعو إليه هو دراسة إطار مصري حديث، يستفيد من روح الوقف ومن التجارب المعاصرة في إدارة الثروات العائلية، ويحترم أحكام الميراث وحقوق المستفيدين، ويخضع لإدارة مسؤولة ورقابة واضحة.

ولنتخيل أسرة تمتلك مصنعًا ناجحًا. يمكن، في ظل تشريع مناسب مستقبلًا، دراسة وضع أسهم الشركة المالكة للمصنع داخل هذا الإطار، بحيث تستمر الإدارة والإنتاج، وتتحدد حقوق أفراد الأسرة في العوائد وفقًا للقانون. ويجب أن يسمح النظام كذلك بتطوير الاستثمارات واستبدال ما لم يعد مجديًا بضوابط واضحة؛ فالحفاظ على الثروة يحتاج إلى الحركة وحسن الإدارة، ولا يكفي معه الاحتفاظ بالأصول كما هي إلى الأبد.

لكن هل ننتظر صدور قانون جديد حتى نبدأ؟ بالتأكيد لدينا الكثير مما نستطيع فعله من اليوم!

البداية العملية هي مساعدة الأسر على تنظيم ملكيتها، ودراسة تأسيس شركات عائلية قابضة عندما يناسب ذلك حجم أعمالها واحتياجاتها.

 وببساطة، تكون هناك شركة تملك حصص الأسرة في الشركات التابعة والاستثمارات، ويملك أفراد الأسرة أسهمًا فيها، مع تحديد واضح لمسؤوليات الإدارة وحقوق المساهمين.

وهذا الترتيب لا يلغي أحكام الميراث ولا يمنع الخلافات تلقائيًا، لكنه يوفر أساسًا أفضل لتنظيمها. فالنجاح هنا يبدأ بالحوار، ثم يتحول إلى قواعد مكتوبة ووثائق قانونية سليمة.

نجلس مع الأسرة ونسأل: ماذا نملك؟ وما الذي نريد الاحتفاظ به وتنميته؟ ومن يرغب في العمل داخل الشركات؟ ومن يفضل أن يكون مساهمًا يحصل على عائد؟ وكيف نوازن بين الأرباح الموزعة والمال المطلوب للتوسع؟ وماذا نفعل إذا أراد أحد أفراد الأسرة التخارج؟

كل سؤال نتفق على إجابته مبكرًا يوفر علينا مشكلة أكبر لاحقًا. والأفضل أن نتحدث في هذه الأمور حول مائدة هادئة، والمؤسس حاضر بخبرته ومحبته، قبل أن تضطرنا الظروف إلى الحديث عنها على عجل.

ثم نضع ميثاقًا عائليًا يوضح المبادئ المشتركة، ونترجم ما يلزم منها إلى عقود ونظم ملزمة، ونختار مجلس إدارة مناسبًا، ونعد خطة لتولي المسؤولية تدريجيًا، ونفصل حسابات الشركة عن احتياجات أفراد الأسرة.

ومن المهم أيضًا أن نمنح الأبناء حرية اختيار طريقهم. فليس مطلوبًا من ابن صاحب المصنع أن يحب الماكينات، ولا من ابنة صاحب شركة التجارة أن تقضي عمرها بين المخازن! قد يكون أحدهما طبيبًا متميزًا، والآخر باحثًا أو فنانًا، ويظلان مساهمين ناجحين، بينما يتولى الإدارة شخص مؤهل من داخل العائلة أو خارجها.

هذه هي قيمة الفصل بين الملكية والإدارة، والاستعداد المبكر لانتقال القيادة؛ وهي من المبادئ التي تؤكد عليها مؤسسة التمويل الدولية في إرشادات حوكمة الشركات العائلية. 

وقد يسأل البعض: ما علاقة كل هذا بتنمية مصر؟ العلاقة مباشرة جدًا.

عندما يستمر مصنع ناجح، تستمر معه وظائف وعلاقات مع موردين وعملاء وخبرات تراكمت عبر سنوات. وعندما يصبح لدى الشركة نظام واضح لاتخاذ القرار، تتحسن قدرتها على جذب مدير كفء أو شريك جديد أو تمويل يساعدها على التوسع.

والشركة العائلية المنظمة تستطيع أن تنظر إلى أرباحها باعتبارها فرصة للمستقبل. فقد تستخدم جزءًا منها لإنشاء خط إنتاج، أو دخول سوق تصديرية، أو الاستثمار في شركة ناشئة لديها حل لمشكلة في الزراعة أو الطاقة أو الصناعة.

ولنتخيل هذا الأثر في مدننا: عائلة توسع مصنعها في المحلة، وأخرى تطور نشاطًا غذائيًا في المنصورة، وثالثة تستثمر في الخدمات اللوجستية في بورسعيد، ورابعة تمول مشروعًا صناعيًا في الصعيد. هنا تتحول مدخرات الأسر وخبراتها إلى فرص عمل وتنمية في أماكنها.

وهناك مساحة جميلة لربط نجاح العائلة بخدمة المجتمع أيضًا. تستطيع الأسرة، وفق الأطر القانونية المناسبة، تخصيص جزء من العوائد لدعم تعليم أو تدريب أو بحث علمي. فيصبح نجاح المشروع سببًا في إعداد شباب قادرين على بناء مشروعات جديدة، وتتسع دائرة النفع عامًا بعد عام.

وللدولة دور مهم في تشجيع هذه الرحلة، من خلال تبسيط إجراءات إعادة الهيكلة، وتوضيح المعاملة الضريبية لنقل الأصول والحصص، وتيسير تسوية المنازعات، وحماية صغار المساهمين. كما يستحق اقتراح الإطار المستلهم من الوقف حوارًا يضم المتخصصين في القانون والشريعة والاقتصاد وممثلي الشركات العائلية.

ويجب أن يكون أي نظام جديد عادلًا وشفافًا؛ يحمي حقوق الورثة والدائنين، ويحاسب المديرين، ويوفر حلولًا منصفة لمن يحتاج إلى السيولة. فحماية تماسك الأعمال تكون أقوى عندما يشعر كل فرد أن حقه محفوظ وصوته مسموع.

وأنا متفائل بأن لدينا أسرًا كثيرة مستعدة لهذه الخطوة. لقد أثبت الجيل المؤسس قدرته على البناء في ظروف صعبة، ويحمل الجيل الجديد معرفة بالتكنولوجيا وأسواقًا وأفكارًا مختلفة. وعندما نجمع الخبرة والطموح داخل نظام جيد، تصبح فرص النجاح أكبر.

فلنبدأ اليوم بتنظيم شركاتنا العائلية، ولنفتح بالتوازي باب التفكير في تشريع حديث يستلهم حكمة الوقف ويواكب احتياجات الاقتصاد.

تخيلوا مصر وفي كل مدينة شركات عائلية تكبر مع كل جيل؛ يرث الأبناء فيها فرصة ليضيفوا إلى ما بناه الآباء، ويجد الشباب حولهم عملًا وأملًا. هذا مستقبل يستحق أن نبدأ بناءه الآن.

nabd تابع بنوك أونلاين علي نبض
تم نسخ الرابط