مي حجازي تكتب.. النقود القابلة للبرمجة: البنية التحتية الجديدة للتمويل الأخضر

مي حجازي خبيرة الاقتصاد
مي حجازي خبيرة الاقتصاد الرقمي

في السنوات الأخيرة أصبح التمويل المستدام أحد المحاور الرئيسية في النظام المالي العالمي. لم تعد الاستدامة مجرد توجه تنظيمي أو مبادرة بيئية، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في قرارات الاستثمار والتقييم الائتماني وتدفقات رؤوس الأموال الدولية.

لكن مع توسع سوق التمويل الأخضر ظهرت تحديات حقيقية تتعلق بالشفافية والقدرة على التحقق من الأثر البيئي الفعلي للمشروعات الممولة. وفي هذا السياق يبرز مفهوم يكتسب اهتماماً متزايداً في النقاشات المصرفية العالمية: النقود القابلة للبرمجة (Programmable Money).

هذا المفهوم لا يقتصر على رقمنة الأموال، بل يتجاوز ذلك إلى إمكانية ربط المال نفسه بقواعد تنفيذية محددة تضمن استخدامه وفق أهداف واضحة. ومع تطور التقنيات المرتبطة بالعقود الذكية وسلاسل الكتل والعملات الرقمية للبنوك المركزية والعملات المستقرة، أصبح من الممكن أن تتحول النقود إلى أداة تنفيذ ذكية تدعم أهداف الاستدامة وتعزز الثقة في الأسواق المالية.

فعلى سبيل المثال، يعمل بنك التسويات الدولية (BIS) حالياً عبر مشاريع مثل Project Guardian في سنغافورة على تطوير نماذج للتمويل المبرمج تسمح بتسوية الأصول الرقمية وربطها بشروط تشغيلية محددة داخل النظام المالي.

من التمويل الأخضر إلى التمويل القابل للتحقق

أحد التحديات الرئيسية في سوق التمويل الأخضر يتمثل في ظاهرة الغسيل الأخضر (Greenwashing)، حيث يتم تصنيف بعض المنتجات المالية على أنها مستدامة دون وجود آليات دقيقة للتحقق من استخدام الأموال في أنشطة ذات أثر بيئي حقيقي.

هنا تظهر أهمية النقود القابلة للبرمجة. فعندما يتم ربط التمويل بعقود رقمية ذكية يمكن تصميم آليات تضمن توجيه الأموال إلى استخدامات محددة مسبقاً.

وقد بدأت مؤسسات مالية عالمية في اختبار هذا النموذج. على سبيل المثال، قامت JPMorgan عبر منصة Onyx Digital Assets بتجارب على تسوية الأصول المرمزة وربط المدفوعات بعقود ذكية تسمح بتنفيذ شروط التمويل تلقائياً. كما تعمل مؤسسات مثل HSBC وStandard Chartered على تجارب لتمويل التجارة باستخدام العقود الذكية لضمان استخدام التمويل في سلاسل توريد محددة.

هذا التحول يعزز ثقة المستثمرين الدوليين ويحول التمويل الأخضر من مجرد تصنيف مالي إلى آلية تمويل قابلة للتحقق رقمياً.

دمج الاستدامة في إدارة مخاطر الائتمان

القيمة الحقيقية للنقود القابلة للبرمجة تظهر عندما يتم دمجها في إدارة مخاطر الائتمان.

بدلاً من التعامل مع الاستدامة كعنصر إضافي في التمويل، تسمح هذه التقنية بدمج مؤشرات الأداء البيئي مباشرة داخل نماذج التصنيف الائتماني.

وقد بدأت مؤسسات مالية مثل ING وBNP Paribas بالفعل في استخدام نماذج Sustainability-Linked Loans التي يتم فيها تعديل تكلفة التمويل بناءً على تحقيق أهداف بيئية محددة مثل خفض الانبعاثات أو تحسين كفاءة الطاقة.

ومع دمج العقود الذكية يمكن لهذه العملية أن تصبح أكثر دقة، حيث يمكن للعقد الذكي خفض الهامش الربحي تلقائياً بمجرد تحقق مؤشرات الأداء البيئي.

بهذا الشكل تتحول الاستدامة من بند إضافي في التقييم إلى جزء أصيل من إدارة المخاطر الائتمانية للبنك.

دور الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء

لكي تعمل منظومة التمويل القابل للبرمجة بكفاءة، تحتاج إلى بيانات بيئية دقيقة ومحدثة باستمرار. وهنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات البيئية اللحظية وتحويلها إلى مدخلات قابلة للاستخدام داخل العقود الذكية.

تستخدم مؤسسات مالية عالمية مثل BlackRock وMoody’s Analytics منصات تحليل بيانات مناخية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقييم المخاطر البيئية وتأثيرها على الأصول المالية.

كما بدأت بعض المشروعات الصناعية في ربط التمويل ببيانات إنترنت الأشياء (IoT). فعلى سبيل المثال، تستخدم شركات الطاقة المتجددة في أوروبا عدادات طاقة ذكية ترسل بيانات الاستهلاك والإنتاج مباشرة إلى منصات تحليل رقمية.

وعند ربط هذه البيانات بالعقود الذكية يمكن أن يتم صرف دفعات التمويل تلقائياً بناءً على الأداء البيئي الفعلي للمشروع.

في هذه الحالة تتحول الثقة من تعهدات ورقية إلى بيانات رقمية قابلة للتحقق.

البعد التشغيلي والامتثال الرقابي

إلى جانب دورها في تمويل المشروعات المستدامة، توفر النقود القابلة للبرمجة قيمة تشغيلية مهمة للمؤسسات المالية.

فبدلاً من الاعتماد على دورات المراجعة التقليدية، يمكن لهذه الأنظمة أن توفر تقارير امتثال لحظية (Real-time Compliance Reporting).

وقد بدأت بنوك مثل DBS في سنغافورة وSantander في أوروبا في استخدام تقنيات البلوكتشين لإنشاء سجلات مالية غير قابلة للتلاعب تسمح بتتبع حركة الأموال في بعض المنتجات التمويلية.

هذا النهج يوفر للبنوك سجلاً رقمياً واضحاً يمكن الرجوع إليه في عمليات التدقيق، ويعزز الامتثال للمتطلبات التنظيمية للبنوك المركزية والمعايير الدولية للتمويل المستدام.

إدارة السيولة وتمويل المشروعات الخضراء

تقدم النقود القابلة للبرمجة أيضاً قيمة مهمة لقطاع الخزانة وإدارة السيولة داخل المؤسسات المالية.

فبدلاً من صرف التمويل دفعة واحدة، يمكن تحرير الأموال وفق نموذج Just-in-Time Funding بحيث يتم صرف الدفعات بناءً على تقدم المشروع.

وقد بدأت بعض المؤسسات في استخدام هذا النموذج في تمويل البنية التحتية المستدامة. على سبيل المثال، تعمل منصات التمويل المرتبطة بالبنية التحتية في أوروبا بالتعاون مع European Investment Bank على ربط دفعات التمويل بمراحل تنفيذ المشروع لضمان كفاءة استخدام رأس المال.

هذا النهج يحسن إدارة رأس المال العامل لكل من البنك والعميل ويحد من مخاطر تجميد السيولة.

الاستدامة كميزة تنافسية

غالباً ما يُنظر إلى الاستدامة داخل المؤسسات المالية باعتبارها عبئاً تنظيمياً أو تكلفة إضافية. لكن مع دمج التكنولوجيا الرقمية يمكن أن تتحول الاستدامة إلى ميزة تنافسية حقيقية.

فالمؤسسات التي نجحت في دمج التحول الرقمي مع التمويل المستدام استطاعت جذب تدفقات استثمارية كبيرة. على سبيل المثال، نجح بنك DBS في سنغافورة في تطوير منصات رقمية للتمويل المستدام جذبت استثمارات دولية ورفعت من تصنيفه في مؤشرات الاستدامة العالمية.

هذا التحول يسهم في خفض تكلفة التمويل وجذب الاستثمارات الأجنبية التي تبحث عن مؤسسات مالية قادرة على تقديم نماذج شفافة وموثوقة للتمويل الأخضر.

نحو نموذج تشغيلي مستدام

إن الانتقال الحقيقي نحو اقتصاد منخفض الكربون لا يعتمد فقط على زيادة حجم التمويل الأخضر، بل على تطوير نموذج تشغيلي جديد داخل المؤسسات المالية يربط بين التكنولوجيا والاستدامة وإدارة المخاطر.

في هذا النموذج تتقاطع إدارة العمليات مع إدارة المخاطر مع إدارة التكنولوجيا لتشكل منظومة واحدة تدعم أهداف الاستدامة.

النقود القابلة للبرمجة يمكن أن تكون العنصر الذي يربط هذه القطاعات معاً، ويحول البنك من مجرد ممول للمشروعات إلى منصة مالية ذكية قادرة على توجيه رأس المال نحو الأنشطة الأكثر استدامة.

الخلاصة

في المرحلة المقبلة لن يعتمد نجاح التمويل المستدام فقط على حجم رأس المال المخصص للمشروعات الخضراء، بل على القدرة على ضمان توجيه هذا التمويل نحو الأثر البيئي الحقيقي.

وهنا يتقاطع الذكاء الاصطناعي مع النقود القابلة للبرمجة ومعايير الاستدامة ESG في منظومة واحدة؛ حيث يقوم الذكاء الاصطناعي بتحليل البيانات البيئية في الزمن الحقيقي، وتقوم العقود الذكية بتنفيذ شروط التمويل تلقائياً، بينما توفر معايير الاستدامة الإطار الذي يحدد الأهداف والضوابط.

وبهذا المعنى، فإن مستقبل التمويل المستدام لن يعتمد فقط على رأس المال الأخضر، بل على بنية مالية رقمية ذكية يصبح فيها المال نفسه أداة تنفيذ لتحقيق الأثر البيئي والاقتصادي في آن واحد.

nabd تابع بنوك أونلاين علي نبض
تم نسخ الرابط