الثقافة المالية من مصروف المدرسة إلى أمان التقاعد
الموبايل أصبح بنكًا.. والثقافة المالية تحمي تحويشة العمر».. بقلم المهندس سمير العلايلي
أصبح الهاتف الذي نحمله في جيوبنا قادرًا على أداء خدمات كنا نحتاج لإنجازها إلى مشاوير وانتظار وأوراق كثيرة. نحول الأموال، ونسدد الفواتير، ونتابع مدخراتنا، ونشتري وثائق استثمار، ونطلب تمويلًا، ونحن جالسون في مكاننا.
وبالنسبة لجيل الألفية والجيل «زد»، أصبحت هذه الخدمات جزءًا من الحياة اليومية. وهذا تطور يسعدني، لأنه يفتح أبوابًا كانت بعيدة عن كثيرين، ويمنح الشباب فرصة مبكرة للتعامل مع المال والاستعداد لمستقبلهم.
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده: هل أصبحت معرفتنا المالية بنفس سرعة الموبايل الذي نستخدمه؟
فالتطبيق قد يتيح لنا الاستثمار في دقائق، لكن فهم الاستثمار يحتاج إلى معرفة. وقد يوافق على التقسيط بسرعة، لكن الأقساط ستبقى معنا بعد انتهاء فرحة الشراء! والموبايل، مهما كان ذكيًا، لن يسددها بدلًا منا.
من هنا تأتي أهمية الثقافة المالية، وهي ببساطة أن نعرف كيف نكسب أموالنا، وكيف ننفقها، وكيف نحافظ عليها وننميها، وكيف نختار ما يناسب احتياجاتنا وقدرتنا على تحمل المخاطر.
وقد أضاف الذكاء الاصطناعي فرصة رائعة للتعلم، يمكن أن نطلب منه شرح مصطلح، أو مساعدتنا في إعداد ميزانية للبيت، أو توضيح الفرق بين أدوات مالية مختلفة. لكن علينا أن نتذكر أنه قد يخطئ، وأن الإجابة المرتبة والواثقة تحتاج أحيانًا إلى مراجعة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمدخرات العمر.
ومع ضغوط تكاليف المعيشة التي تواجه أسرًا في دول كثيرة، يصبح فهم المال مهارة أساسية. نحتاج أن نميز بين الضروري والمؤجل، وأن نحسب التكلفة الكاملة قبل الاقتراض، وأن نستعد للمصروف المفاجئ بقدر ما تسمح به ظروفنا.
وأعرف جيدًا أن بعض الأسر يكاد دخلها يغطي احتياجاتها الأساسية، ولذلك لا يصح أن نتصور أن تنظيم المصروفات وحده يحل مشكلة ضعف الدخل. لكن المعرفة تساعدنا، مهما كانت إمكانياتنا، على تجنب تكلفة غير ضرورية أو التزام يفوق قدرتنا أو عرض يخفي وراءه شروطًا لم نفهمها.
كما أن التخطيط للتقاعد يستحق أن يبدأ مبكرًا، فسنوات العمل فرصة لبناء قدر من الأمان للمستقبل، ولو بخطوات صغيرة ومنتظمة تتناسب مع الدخل. ومع الوقت يمكن للمدخرات أن تنمو، بحسب العائد والتكاليف والتضخم والمخاطر. المهم أن تكون لدينا خطة واقعية نراجعها كلما تغيرت ظروفنا.
ولهذا أرى أن التعليم المالي يجب أن يبدأ في المدرسة، ويتطور في الجامعة، ويستمر طوال الحياة.
نبدأ مع الطفل بمصروفه: كيف ينفق جزءًا ويدخر جزءًا؟ وكيف ينتظر قليلًا ليشتري شيئًا يحتاجه؟ ثم نعلمه تدريجيًا معنى الحساب البنكي، والبطاقة، والتأمين، والقرض، والقسط، والعائد.
ويمكن أن تصبح هذه الدروس ممتعة من خلال ألعاب ومشروعات صغيرة وتجارب من الحياة. فحساب تكلفة رحلة مدرسية، أو إدارة ميزانية نشاط طلابي، قد يترك أثرًا أكبر من حفظ تعريف طويل ليلة الامتحان!
وفي الجامعة، أرى ضرورة أن يتعلم كل طالب أساسيات المحاسبة وقراءة القوائم المالية، مهما كان تخصصه. فالطبيب قد يفتح عيادة، والمهندس قد يؤسس مكتبًا، والفنان قد يدير مشروعًا، وكلهم يحتاجون إلى فهم الإيرادات والمصروفات والالتزامات.
فالميزانية العمومية توضح ما تملكه الشركة، وما عليها من التزامات، وما يتبقى لأصحابها في تاريخ معين. وقائمة الدخل توضح الإيرادات والمصروفات والربح أو الخسارة خلال فترة. أما قائمة التدفقات النقدية فتشرح حركة النقود الفعلية. وقد تبدو الشركة رابحة، بينما لا تملك سيولة كافية لسداد التزاماتها!
نحتاج أيضًا إلى فهم الأدوات والمصطلحات المالية بلغة سهلة. فالسهم حصة ملكية في شركة، والسند دين على الجهة المصدرة، ووثيقة صندوق الاستثمار مشاركة في محفظة تُدار وفق سياسة محددة. والسيولة تعني مدى سهولة تحويل الاستثمار إلى نقود، والتنويع يعني توزيع الأموال لتقليل بعض المخاطر، دون إلغاء احتمال الخسارة.
وبالتالي، عندما يعرض علينا أحد استثمارًا، لا يكفي أن نسأله: «العائد كام؟». علينا أن نسأل أيضًا: من أين يأتي هذا العائد؟ وما المخاطر؟ وما الرسوم؟ ومتى يمكنني استرداد أموالي؟ ومن يراقب الجهة التي سأتعامل معها؟
ومن المفاهيم المهمة كذلك الفصل بين الملكية والإدارة. فقد أكون مساهمًا في شركة دون أن أتولى إدارتها، وقد يديرها شخص أكثر خبرة مني. ولي حقوق كمساهم، وللمدير مسؤوليات، ولمجلس الإدارة دور في الرقابة والمحاسبة.
وهذا الفهم مهم لشركاتنا العائلية ومشروعاتنا الصغيرة. فأموال الشركة ليست محفظة شخصية لصاحبها، ولها التزامات تجاه العاملين والموردين والشركاء. وكلما فهمنا هذه الحدود، أصبحت مشروعاتنا أكثر تنظيمًا وقدرة على النمو والاستمرار.
والثقافة المالية تساعدنا أيضًا على فهم ما يحدث حولنا. فعندما نسمع عن التضخم أو أسعار الفائدة أو سعر الصرف أو الموازنة العامة، نصبح أقدر على فهم القرارات وآثارها، وطرح أسئلة مفيدة، وتكوين رأي يستند إلى معرفة.
ولا يعني الفهم أن نتفق مع كل قرار، لكنه يجعل النقاش أكثر نضجًا، ويقلل المساحة التي تتحرك فيها الشائعات والتفسيرات المتسرعة.
وهناك فائدة تمس بيوتًا كثيرة بصورة مباشرة: حماية الناس من الاحتيال والاستيلاء على مدخراتهم.
لقد عرفنا صورًا مختلفة من الاحتيال تحت لافتة «توظيف الأموال»، سواء من خلال كيانات تقدم نفسها كشركات، أو أشخاص يُطلق عليهم الناس اسم «المستريح»، أو صفحات ومنصات إلكترونية تعد بأرباح كبيرة وسريعة ومضمونة.
تتغير الأسماء والوسائل، لكن الوعود المغرية تظل متشابهة: «سيب فلوسك عندنا، وخد ربحك كل شهر، ومن غير أي مخاطرة!».
وفي بعض هذه الحالات، تُدفع مبالغ للمشتركين القدامى من أموال مشتركين جدد، دون أرباح حقيقية تكفي لاستمرار المدفوعات. وقد تنتظم العوائد في البداية، فيطمئن الناس ويشجعون أقاربهم وأصدقاءهم، ثم تتعثر المدفوعات عندما يتوقف دخول أموال جديدة.
لذلك فإن استلام أرباح لعدة أشهر، أو معرفة شخص استرد أمواله، لا يكفي لإثبات سلامة النشاط. وكذلك الاسم اللامع والمكتب الفخم وكثرة المتابعين لا تغني عن التحقق من الترخيص وطبيعة النشاط ومصدر العائد.
والثقافة المالية تساعد المواطن على السؤال قبل التسليم، وعلى التمييز بين الاستثمار المنظم وبين جمع الأموال بوعود لا يمكن التحقق منها. وهي تقلل فرص الخداع، إلى جانب الدور الضروري للرقابة وإنفاذ القانون وحماية المتعاملين.
وهناك الاحتيال الإلكتروني أيضًا: مكالمة من شخص ينتحل صفة موظف بنك، أو رسالة تطلب تحديث البيانات، أو رابط يوهمنا بجائزة، أو حساب لصديق يطلب تحويلًا عاجلًا. ومع تقنيات تقليد الصوت والصورة، أصبحت مراجعة الطلب عبر وسيلة مستقلة أكثر أهمية.
والقاعدة التي يجب أن تصل إلى كل بيت: لا نشارك كلمات السر أو رموز التحقق مع أحد، ونتواصل مع المؤسسات عبر قنواتها الرسمية، ولا نتخذ قرارًا ماليًا تحت ضغط الاستعجال.
والخبر المشجع أننا في مصر لدينا جهود مهمة نستطيع البناء عليها. فالهيئة العامة للرقابة المالية تعمل على نشر الثقافة المالية غير المصرفية من خلال مبادرات ومنصات توعوية وتعاون مع المؤسسات التعليمية والشبابية. وهذه الجهود تستحق أن تتسع بمشاركة فعالة من الشركات المرخصة، بحيث يصبح شرح المنتج ومخاطره جزءًا أصيلًا من خدمة العميل.
كما يقدم البنك المركزي والبنوك رسائل وحملات للتوعية بالاحتيال وحماية البيانات، ومنها حملة «معًا نكافح الاحتيال». وهي خطوات تستحق التقدير والتكرار، لأن رسالة بسيطة تصل في الوقت المناسب قد تحمي تحويشة أسرة كاملة.
وأتمنى أن نرى مبادرات إضافية تصل إلى المدارس والجامعات ومراكز الشباب والمصانع والقرى، من الإسكندرية إلى أسوان. نحتاج برامج لأصحاب المشروعات، وللموظفين، ولأصحاب المعاشات، ومحتوى يناسب من يستخدم التطبيقات ومن يحتاج إلى مساعدة في التعامل معها.
ويمكن للشباب أن يشاركوا في صناعة هذا المحتوى بلغتهم وأفكارهم، مع مراجعة المتخصصين لدقته. كما يمكن للتكنولوجيا أن توفر تعليمًا مبسطًا بتكلفة قليلة، بشرط أن يكون واضحًا ومستقلًا، وأن نميز فيه بين التوعية والإعلان.
والنجاح الحقيقي يظهر عندما يستطيع الطالب إعداد ميزانية، وصاحب المشروع فهم حساباته، والعميل مقارنة تكلفة التمويل، والأسرة اكتشاف محاولة خداع قبل أن تخسر أموالها.
أنا متفائل بأن نشر الثقافة المالية يمكن أن يصنع فرقًا كبيرًا لمصر. فهو يساعد على بناء أسر أكثر استعدادًا للمستقبل، ومشروعات أفضل إدارة، ومدخرات تجد طريقها إلى استثمارات مفهومة، ومواطنين أكثر قدرة على المشاركة في النقاش الاقتصادي.
لدينا شباب يتعلم بسرعة، وتكنولوجيا تفتح الأبواب، ومؤسسات تستطيع أن تتعاون. فلنجعل المعرفة المالية حقًا متاحًا للجميع، حتى يحمل كل شاب في جيبه هاتفًا يفتح له الفرص، وفي عقله معرفة تساعده على اختيارها، وفي قلبه ثقة بأنه قادر على بناء غد أفضل.
تابع بنوك أونلاين علي نبض











