سمير العلايلي يكتب:«القُفّة أم ودنين يشيلوها اتنين»..شراكة تكبّر شركاتنا وتفتح أبواب الخير
أحيانًا تختصر أمثالنا الشعبية فكرة اقتصادية كاملة في كلمات قليلة. ومن أجملها: «القُفّة أم ودنين يشيلوها اتنين». فالحِمل يصبح أخف عندما نتعاون، والطريق يصبح أسهل عندما يعرف كل طرف دوره، ويتحرك الاثنان في الاتجاه نفسه!
وأرى أن هذا المثل يصلح مدخلًا لفكرة يمكن أن تفتح بابًا واسعًا للتعاون بين الدولة والقطاع الخاص، خصوصًا الشركات المتوسطة التي تمتلك خبرة جيدة وطموحًا كبيرًا، لكن إمكانيات كل منها منفردة قد لا تكفي لإدارة مشروع ضخم أو شرائه.
لدينا أصول وشركات مملوكة للدولة، ولدينا في القطاع الخاص خبرات في الإنتاج والتسويق والتصدير والإدارة. فلماذا لا نجمع هذه الإمكانيات في شراكات منظمة، تزيد الإنتاج وتحقق عائدًا أفضل وتخلق فرصًا جديدة للعمل؟
لقد فتحت الدولة المجال أمام مشاركة القطاع الخاص بصور متعددة، منها بيع حصص أو شركات، ومنح حقوق التشغيل والاستغلال بعقود محددة المدة بحسب طبيعة الأصل. وأقترح أن نوسع مساحة الشراكة في الإدارة، مع إمكانية المشاركة في الملكية لاحقًا.
والفكرة تبدأ من مبدأ بسيط: من يملك المشروع ليس بالضرورة هو من يديره يوميًا. يمكن للدولة أن تحتفظ بملكية شركة أو أصل، بينما يتولى شريك متخصص تطوير التشغيل والتسويق، مقابل عائد يرتبط بأداء واضح ونتائج يمكن قياسها.
لكن من أين يأتي هذا الشريك؟ ولماذا نفترض دائمًا أنه يجب أن يكون شركة عملاقة واحدة؟
يمكن أن تتجمع عدة شركات متوسطة تعمل في أنشطة متشابهة أو متكاملة. شركة تجيد التصنيع، وأخرى لديها أسواق تصديرية، وثالثة تتميز في الخدمات اللوجستية، ورابعة تمتلك التكنولوجيا اللازمة. كل واحدة تحمل جزءًا من الحل، واجتماعها قد يصنع قدرة أكبر بكثير من قدرتها منفردة.
ولتنظيم هذا التعاون، يمكن الاستعانة بصندوق استثمار مباشر أو ملكية خاصة، أو برأس المال المخاطر عندما تناسبه طبيعة المشروع. وبأبسط تعبير، يجمع الصندوق مساهمات المستثمرين ويمول شركة تشغيل مشتركة، بينما تقدم الشركات المشاركة خبراتها من خلال اتفاقات واضحة. فالصندوق ينظم الاستثمار، والفريق المتخصص يتولى التشغيل.
هذه الشركة تستطيع التقدم، عبر إجراءات تنافسية وشفافة، لإدارة أصل أو تشغيله وتطويره، وفق العقد والموافقات اللازمة. وهكذا نمنح الشركات المتوسطة فرصة لدخول مشروعات أكبر، دون أن تتحمل كل شركة وحدها تكلفة شراء الأصل بالكامل.
ولنتخيل مجمعًا للغزل والنسيج: الدولة توفر الأصول القائمة، والتحالف يقدم خطة للإنتاج والجودة والصيانة والتسويق، والصندوق يساهم في تمويل التطوير ورأس المال العامل. وتصبح نقطة البداية سؤالًا عمليًا: كيف نزيد الطلبات والمبيعات ونحسن استخدام الماكينات ونرفع كفاءة العاملين؟
ويمكن دراسة الفكرة نفسها للصوب الزراعية، والمناطق اللوجستية والصناعية، والمجمعات الإنتاجية، والشركات والأصول العقارية. ولكل نشاط احتياجاته؛ فالصوبة تحتاج إلى زراعة وتسويق وتبريد، والمصنع يحتاج إلى إنتاج وصيانة وأسواق، والعقار يحتاج إلى تشغيل وإشغال وخدمة جيدة.
وحتى ينجح التعاون، نحتاج إلى قائد تنفيذي واضح وصلاحيات محددة. فتجميع الخبرات لا يعني أن نجمع عشرة مديرين على كرسي واحد! نريد فريقًا يعرف من يقرر، ومن ينفذ، ومن يحاسب.
ويجب أن يتضمن العقد التزامات الطرفين: الاستثمارات المطلوبة، وصيانة الأصول، وتدريب العاملين وحماية حقوقهم، ومستهدفات الإنتاج والربحية، وآليات المراجعة والتعامل مع التعثر. كما ينبغي ربط جزء من مكافأة الإدارة بتحسن مستدام، حتى يكون النجاح في زيادة قيمة المشروع وقدرته على الاستمرار.
ويمكن أن تتضمن بعض الشراكات، حيث يسمح القانون وبعد الموافقات اللازمة، حقًا مشروطًا للتحالف أو الصندوق في شراء حصة مستقبلًا، إذا رغب في ذلك. على أن تكون آلية التقييم عادلة ومستقلة، والشروط معلنة من البداية، بما يحفظ حقوق الدولة ويمنع تضارب المصالح. فالإدارة الناجحة تفتح بابًا للشراكة الأعمق، دون أن تتحول إلى استحقاق تلقائي لملكية الأصل.
وهذا التصور ينسجم مع توجه الحكومة نحو توسيع الملكية من خلال البورصة، وهو توجه يستحق التقدير، وكذلك الخطوات التنفيذية المتحققة في إعداد وقيد الشركات تمهيدًا لطرحها. فالطرح يتيح للمواطنين فرصة المشاركة في ملكية الشركات والاستفادة من نموها، مع تحمل مخاطر الاستثمار بطبيعة الحال. (fra.gov.eg, fra.gov.eg)
ويمكن طرح أسهم الشركة المالكة للأصل بعد استيفاء الشروط، مع استمرار الإدارة المتخصصة وفق قواعد الحوكمة والإفصاح. فالأصل نفسه لا يُطرح كسهم، وإنما تُطرح الشركة التي تملكه. وبذلك تتسع دائرة المشاركة: الدولة، والشريك المشغّل، والمستثمرون، والجمهور.
كما تستحق الهيئة العامة للرقابة المالية التقدير على تطوير الأدوات المالية وتنظيم وسائل جديدة للاستثمار، ومنها منصات صناديق الملكية الخاصة ورأس المال المخاطر. فهذا التطوير يفتح مساحة للأفكار المبتكرة، بشرط أن تتحول إلى هياكل مدروسة تحمي المستثمرين وتلتزم بالقواعد. (fra.gov.eg)
وأنا متفائل بأن البداية يمكن أن تكون بعدد محدود من المشروعات، نختارها بعناية، ونعلن أهدافها، ونتابع نتائجها، ثم نتوسع فيما يثبت نجاحه. لدينا أصول تستحق أن تعمل بكفاءة أكبر، وشركات متوسطة تستحق فرصة للنمو، وعاملون يستطيعون تحقيق الكثير حين تتوافر لهم الإدارة والتدريب والأدوات المناسبة.
«القُفّة أم ودنين يشيلوها اتنين»… والدولة والقطاع الخاص قادران على حملها معًا، لتصل ثمار التعاون إلى مصانعنا وقرانا وشبابنا. والخير يكبر عندما نعرف كيف نعمل معًا!
تابع بنوك أونلاين علي نبض











