المهندس سمير العلايلي يكتب.. مصر أكبر من كمبوند.. فلنبنِ لمن يسكنها!
كلما شاهدت إعلانًا عقاريًا جديدًا، شعرت أن حياتي ينقصها شيء مهم: إما بحيرة أمام غرفة النوم، أو ملعب جولف خلف المطبخ، أو شاطئ لا يبعد عن باب البيت أكثر من دقيقتين! وكلها أشياء جميلة بلا شك، ولا أعترض عليها، لكنني أتساءل أحيانًا: وأين البيت الذي يحتاجه من يريد أن يسكن بالقرب من عمله، ويُعلّم أولاده، ويسدد أقساطه، ويظل لديه ما ينفقه على الحياة؟
قرأت باهتمام مقال الدكتور زياد بهاء الدين عن التشريع العقاري المطلوب، وأتفق معه في أهمية حماية المشتري، وتنظيم السوق، والحفاظ على المطور الجاد، والتدرج في تطبيق القواعد الجديدة. لكنني أعتقد أن هذه فرصة لنوسع النقاش قليلًا، ونسأل قبل أن ننظم كيفية البيع: ماذا نبني؟ ولمن؟ وأين؟
فمصر أكبر كثيرًا من التجمعات السكنية التي نراها في الإعلانات، واحتياجات المصريين أوسع من المنتجات المعروضة فيها. والسوق العقارية تضم من يبحث عن استثمار أو بيت للمصيف، وتضم أيضًا من يبحث عن مسكنه الأول، ومن يحتاج إلى الانتقال من منزل غير مناسب، ومن يستطيع دفع إيجار معقول لكنه لا يستطيع توفير مقدم شراء.
كل هؤلاء يستحقون أن نجد لهم مكانًا في النقاش، ثم مكانًا يسكنون فيه!
ولا أقصد بذلك التقليل من أهمية المشروعات الكبرى أو جذب المشترين من الخارج. فهذا نشاط له قيمته، ويوفر عملًا واستثمارًا. لكن نجاح جزء من السوق لا يعفينا من النظر إلى بقية أجزائها، ولا يعني أن زيادة قيمة المبيعات تخبرنا وحدها بمدى نجاحنا في تلبية الاحتياج السكني.
وهنا أصل إلى مشكلة أراها أساسية: المعلومات.
عندما حاولت البحث عن حجم الشريحة القادرة على شراء المنتج الحالي، وعن احتياج الأسر في مدن مثل الإسكندرية وبورسعيد والمنصورة، لم أجد أمامي صورة حديثة ومتكاملة تربط الاحتياج بالدخل والموقع والسعر. توجد بيانات عن وحدات نُفذت، وطلبات قُدمت، ومشروعات طُرحت، لكنها لا تجتمع بسهولة لتجيب عن السؤال البسيط: كم أسرة تحتاج إلى ماذا، وفي أي مكان، وبأي قدرة على السداد؟
ولا أقول إن المعلومات غير موجودة عند أي جهة، بل إننا نحتاج إلى جمعها وإتاحتها بصورة تساعد على اتخاذ القرار. فليس معقولًا أن نعرف عدد غرف الشقة بدقة، ثم نختلف على عدد الأسر التي تستطيع شراءها!
وأول خطوة أقترحها هي خريطة للاحتياج السكني، مدينةً مدينة، ومركزًا مركزًا، تُحدّث دوريًا. خريطة تفرق بين من يريد التملك ومن يحتاج إلى الإيجار، وبين وحدة خالية يمكن استخدامها وأخرى بعيدة عن العمل والخدمات، وبين مسكن يحتاج إلى ترميم وآخر لا يصلح للسكن.
قد نكتشف عندئذ أن الحل في مكان ما هو البناء، وفي مكان آخر استكمال المرافق، وفي ثالث ترميم مبانٍ قائمة أو تشجيع أصحاب الوحدات المغلقة على تأجيرها.
وهناك أيضًا فرصة تجارية تستحق أن ينتبه إليها المطورون. فخارج القاهرة ومناطق المصايف توجد أسر مقتدرة، وأصحاب أعمال ومهنيون يريدون سكنًا جيدًا وخدمات وإدارة وصيانة محترمة، داخل المدن التي يعيشون ويعملون فيها. ليس مطلوبًا من كل من تحسنت أحواله أن يحزم حقائبه إلى القاهرة، ولا أن يشتري شاليهًا حتى يشعر أنه استثمر في العقار!
قد تكون عمارات جيدة التخطيط، أو إعادة تطوير منطقة قائمة، أو حي متكامل متصل بالمدينة، أنسب لهذه الأسر من تكرار النموذج نفسه في كل مكان. ويمكن أن تجتمع في المنطقة الواحدة مستويات مختلفة من الإسكان والخدمات، فتستفيد المدينة وسكانها معًا.
أما الأسر الأقل قدرة، فتحتاج إلى تنوع أكبر في الحلول. التملك المدعوم مناسب لبعضها، والإيجار المستقر مناسب لغيرها، وتحسين المسكن القائم قد يكون الحل الأفضل لآخرين. والأهم أن يكون السكن قريبًا من الرزق والمدرسة والمواصلات؛ فالوحدة الرخيصة التي تبتلع تكلفة الانتقال إليها دخل الأسرة ليست رخيصة كما تبدو على الورق.
ومن هنا يمكن أن نحد من نمو المناطق غير المخططة، بتوفير بديل رسمي يستطيع الناس الوصول إليه وتحمل تكلفته. ويمكن أن تصبح المدن الأخرى أكثر جذبًا للبقاء والعمل، بشرط أن يصاحب الإسكان نشاط اقتصادي وخدمات جيدة. فالبيت مهم، لكنه لا يذهب إلى العمل بدلًا من صاحبه!
ويحتاج هذا التوجه إلى ترتيب العلاقة بين التطوير والتمويل. أرى أن يتفرغ المطور تدريجيًا لاختيار المشروع وتنفيذه وتسليمه وإدارته، وأن تتولى المؤسسات المالية المتخصصة تمويل المشتري طويل الأجل.
يمكن للمطور المؤهل إنشاء شركة تمويل عقاري مستقلة ومرخصة، لها رأس مال وحوكمة وقرار ائتماني حقيقي. ويمكن لغيره الاتفاق مع البنوك وشركات التمويل على نقل محافظ الأقساط إليها ضمن برنامج منظم. لكن نقل الشيكات من درج إلى درج لا يخلق تمويلًا جديدًا! المطلوب موارد فعلية، وتسعير عادل، وحماية لحقوق العميل في التسليم، وعدم تغيير التزاماته بأثر رجعي.
وهذا الانتقال يجب أن يتم على مراحل، مع دراسة أوضاع الشركات، حتى نحافظ على القدرات الجادة ولا نفاجئ السوق بوقف مصدر تمويل قبل تجهيز بديله.
ومن الأفكار التي تستحق الدراسة إتاحة عقود لتنفيذ وتطوير إسكان اقتصادي على أراضٍ عامة، لمستفيدين جرى تحديدهم، دون تحميل المطور تكلفة شراء الأرض والتسويق، مقابل عائد واضح والتزام بالجودة والمواعيد. على أن يتم ذلك بالمنافسة والتأهيل، ويكون تمويل التنفيذ معلومًا؛ فنحن نريد الاستفادة من الشركات القادرة، وحماية أموال المستفيدين.
وأرى للمحليات دورًا أكبر في هذه المنظومة. نحتاج إلى موارد محلية واضحة، وقدرة على الاحتفاظ بجزء مناسب منها وإعادة استثماره، مع استمرار مساندة المناطق الأفقر. ويمكن دراسة سندات وصكوك وتمويل مشروعات وعقود امتياز، بعد توفير الإطار القانوني والرقابي اللازم.
لكن الاقتراض ينبغي أن يمول مشروعًا نعرف من أين نسدد تكلفته، لا أن يؤجل عجزًا متكررًا إلى العام القادم. كما أن عقد الامتياز الجيد يحسن الخدمة ويحقق عائدًا عادلًا ويحمي المال العام، ولا يكتفي بتحصيل مبلغ مقدم.
أتمنى أن يكون التشريع الجاري مناقشته بداية لهذا الطريق، وأن تصاحبه التعديلات اللازمة في التمويل والإدارة المحلية. وأن ترتبط الحوافز بما يتحقق فعلًا: سكن مناسب، وإشغال حقيقي، وتسليم منتظم، وخدمات وفرص عمل.
أنا متفائل، لأن اتساع الاحتياج يعني أيضًا اتساع الفرصة. لدينا مدن تستحق التطوير، وأسر تنتظر منتجًا يناسبها، وشركات تستطيع أن تعمل، ومدخرات يمكن توجيهها بصورة أفضل.
ويبقى أن نبدأ بالسؤال الصحيح: نبني لمن؟
فالبحيرة الصناعية جميلة، لكن الأجمل أن يطمئن كل مصري إلى أن له مكانًا مناسبًا يعيش فيه، في المدينة التي يحبها.
تابع بنوك أونلاين علي نبض


















